ترصد الكاتبة الفلسطينية أثر إيهاب أبو سمرة تحولات الحياة الاقتصادية للفلسطينيين في غزة ومصر، حيث فرضت الحرب والنزوح واقعًا جديدًا دفع آلاف الأسر إلى البحث عن وسائل بديلة لتأمين احتياجاتها الأساسية، بعدما انهارت مصادر الدخل التقليدية وتراجعت فرص العمل والاستقرار.
وأوضح التقرير الذي نشره موقع داون أن قطاع غزة يشهد انهيارًا اقتصاديًا حادًا منذ اندلاع الحرب، ما دفع السكان إلى ابتكار أنشطة محدودة لتأمين الحد الأدنى من المعيشة. وفي المقابل، يواجه الفلسطينيون النازحون إلى مصر قيودًا قانونية واقتصادية تعرقل اندماجهم في سوق العمل الرسمي، ما يدفعهم بدورهم إلى الاعتماد على أنشطة غير مستقرة للبقاء.
اقتصاد البقاء في غزة
يعتمد كثير من سكان غزة اليوم على موارد بسيطة ومتاحة لتحقيق دخل يومي محدود. فبعد توقف قطاعات اقتصادية كاملة وتضرر البنية التحتية، لجأ بعض العمال والحرفيين إلى استغلال ما تبقى لديهم من أدوات ومهارات، مثلا: يشحن محمود النجار الهواتف المحمولة عبر لوح طاقة شمسية انتشله من أحد المباني المدمرة، بينما يصلح آخرون المولدات الكهربائية والأجهزة المتضررة باستخدام قطع متفرقة يصعب توفيرها.
وتشير التقديرات الدولية إلى انكماش اقتصاد غزة بصورة غير مسبوقة، ما أدى إلى اتساع رقعة الفقر لتشمل غالبية السكان. ومع تراجع الخدمات الأساسية وانقطاع الكهرباء وشح الوقود، تحولت الأنشطة الصغيرة إلى وسيلة نجاة أكثر منها مشروعات اقتصادية قادرة على توفير الاستقرار أو النمو.
كما دفعت الظروف المعيشية الصعبة كثيرًا من الأسر إلى بيع جزء من المساعدات الإنسانية التي تحصل عليها لتأمين احتياجات أخرى مثل الدواء أو السيولة النقدية، وهو ما خلق أسواقًا غير رسمية ترتبط بالقدرة على الوصول إلى الموارد أكثر من ارتباطها بقواعد اقتصادية مستقرة.
النزوح إلى مصر والبحث عن مصدر رزق
يواجه الفلسطينيون الذين غادروا غزة إلى مصر تحديات مختلفة، لكنها لا تقل صعوبة. فغياب فرص العمل النظامية وصعوبة الحصول على أوضاع قانونية مستقرة يدفعان كثيرين إلى الاعتماد على أعمال منزلية أو خدمات فردية محدودة.
في حي فيصل بمحافظة الجيزة، تدير ريم أبو عودة مشروعًا منزليًا لإعداد المأكولات الفلسطينية وتسويقها عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي. وتستند فكرتها إلى تلبية احتياجات الجالية الفلسطينية التي تبحث عن أطعمة تذكرها بالوطن، إلا أن المشروع يظل محصورًا داخل نطاق ضيق بسبب غياب الضمانات القانونية وصعوبة التوسع.
وتقدم نور الحداد، التي عملت معلمة في غزة قبل النزوح، دروسًا خصوصية للأطفال الفلسطينيين في مصر، محاولة تعويض فقدان مصدر دخلها السابق. وتعكس هذه التجارب واقعًا مشتركًا يفرض على النازحين البدء من الصفر في بيئة جديدة تفتقر إلى الاستقرار الاقتصادي.
أزمة ممتدة وانعكاسات اجتماعية
تكشف هذه النماذج عن واقع اقتصادي هش يربط الفلسطينيين داخل غزة وخارجها بحالة دائمة من عدم اليقين. ففي غزة أدت الحرب وتدمير البنية التحتية إلى شلل اقتصادي واسع، بينما فرضت أوضاع النزوح في مصر قيودًا حدّت من فرص الاستقرار والعمل.
وتنعكس هذه الظروف على الحياة الاجتماعية للأفراد والأسر، حيث تتراجع القدرة على التخطيط للمستقبل لصالح الانشغال بتأمين الاحتياجات اليومية. كما تتزايد الضغوط النفسية والمعيشية مع ارتفاع تكاليف الحياة وغياب مصادر الدخل الثابتة، ما يجعل البقاء نفسه تحديًا يوميًا.
ويخلص التقرير إلى أن ما يعرف بـ"اقتصاد البقاء" لا يوفر حلولًا طويلة الأجل، بل يؤجل آثار الأزمة فقط. فهذه الأنشطة تعتمد على موارد محدودة وشبكات علاقات شخصية وظروف متقلبة، الأمر الذي يبقي آلاف الفلسطينيين عالقين بين الحرب والنزوح والفقر، في انتظار حلول تتيح لهم استعادة حياة أكثر استقرارًا وكرامة.
https://dawnmena.org/a-survival-economy-with-no-exit-palestinians-in-gaza-and-egypt-are-trapped-in-financial-limbo/

